رئيس مجلس الإدارة أحمد الشناوي

رئيس التحرير محمد يوسف

كتبت منذ نحو عشرة أشهر هامسا للرئيس السيسي ومنوها بأن حوالي 85 مليون مصري سقطوا من حسابات الدولة خلال خطواتها التي تنتهجها في طريق التنمية والإصلاح الاقتصادي، ولا سيما في مشروعي المليون ونصف مليون فدان، والإسكان الاجتماعي، وبنيت تصوري على إن حوالي 85 % من المصريين يقدر إنفاقهم السنوي بأقل من 12 ألف جنيه سنويا أي أقل من 1000 جنيه شهريا، "حسب تقارير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء" وهؤلاء يقدر عددهم بحوالي 85 مليون مواطن وبالتالي لا يستطيعوا شراء 10 أفدنة تتراوح قيمتهم مابين 180 ألف جنيه إلى 450 ألف جنيه من أراضي المليون ونصف مليون فدان التي طرحت الدولة حوالي 500 ألف فدان منها في المرحلة الأولى، أي أنه لا يعقل أن يتم تدشين مشروع قومي مثل هذا ليخدم فقط حوالي 15 % من الشعب المصري وهذا ما يتناقض مع بديهيات العدالة الاجتماعية التي طالما كانت حلم الغالبية من الشعب، وما ينطبق على مشروع المليون ونصف فدان ينطبق بالضرورة على مشروع الإسكان الاجتماعي حيث نجد أن الغالبية من المصريين لا يملكون حتى المقدم البسيط الذي يسدد لأقل وحدة سكنية مما طرحته الدولة،

وبالرغم من أنني لا أرى خلافا على الخطوط العريضة في ما يقوم به الرئيس السيسي والحكومة من عملية بناء وتنمية مصر على كافة الأصعدة وفي كافة القطاعات، إلا أنني أختلف مع الرئيس والحكومة في ترتيب الأولويات، فالاستثمار، و التنمية غاية مشتركة يتفق عليها الجميع، وبالتالي فالبنية التحتية التي تمهد لذلك سواء كانت شبكة طرق، أو أنفاق، أو كباري، أو كهرباء، أو استصلاح أراضي أمرا ضروريا، لا بد منه لإنجاح عملية التنمية المرتقبة، ولكن... أين الفقراء من كل هذه الإجراءات ؟

الخطير في الأمر أن معدلات الفقر في ازدياد مستمر بسبب الخلل الموجود في ترتيب الأولويات التي تصاحب عملية الإصلاح الاقتصادي والتنمية في مصر، فخبراء الاقتصاد الذين يضعوا السياسات الاقتصادية والذين أطلقت لهم الدولة الحبل على الغارب ينتمون فقط لمدرسة الاقتصاد الرأسمالي الحر "اقتصاد السوق" الذي يعتمد على نظرية العرض والطلب، وينحون جانبا مسألة تدخل الدولة لصالح حماية الطبقات الغير قادرة، وهو الأمر الذي يؤدي إلى تفشي ظاهرة الاحتكار وتعاظم الكيانات الاقتصادية الكبرى على حساب الكيانات الأقل منها قدرة، في عملية تشبه نظرية الطفو التي تؤدي غالبا إلى تقلص أعداد الأثرياء مع تعاظم الثروة لديهم، وتزايد عدد الفقراء وتناقص قدرتهم على الوفاء بالحد الأدنى للمعيشة.

وهنا تأتي نصائحي المتواضعة للقائمين على الأمور وعلى رأسهم الرئيس عبد الفتاح السيسي وهي

  • النصيحة الأولى: ألا وهي توسيع دائرة المشورة الاقتصادية لتشمل العديد من المدارس الاقتصادية وخلق حوار علمي بينهم يؤدي في نهاية الأمر إلى الوصول إلى أفضل "الروشتات" التي تناسب الحالة المصرية القائمة، لا سيما و إن لكل نظام اقتصادي مزايا وعيوب والحوار الاقتصادي لو اقتصر على وجود فريق واحد من خبراء الاقتصاد الرأسمالي الحر "اقتصاد السوق" فلن يقدم جديدا ولكن لو تم إشراك مجموعة مماثلة من خبراء النظام الاقتصادي المركزي "الاقتصاد الموجه" وأمكن الأخذ بالمزايا من كلا النظامين وتم تلافي العيوب فيهما فإن النتيجة ستكون بالضرورة أفضل.

وعلى سبيل المثال لو أخذنا الولايات المتحدة بنظامها الاقتصادي الرأسمالي، والصين بنظامها الاقتصادي المركزي كمثالين لمدرستين اقتصاديتين مختلفتين لوجدنا أن الصين قد حققت وماتزال تحقق خلال السنوات الأخيرة تقدما لا ينكره أحد، ويزيد كثيرا عما تحققه الولايات المتحدة، وهذا إن دل فإنما يدل على النظام الرأسمالي ليس وحده القادر على الدفع بعمليات التنمية وعلاج أمراض التخلف الاقتصادي للشعوب.

وبالعودة للحالة المصرية نجد أننا لو اعتبرنا أن القوة البشرية تعتبر من أهم عناصر عمليات التنمية في أي دولة لو أحسن استثمارها، وبالنظر إلى عدد الفقراء الذين يمثلون السواد الأعظم من تعداد السكان نجد أنهم قد خرجوا من المعادلة، أو على الأقل تم تأجيل قضيتهم إلى أجل غير مسمى، في حين أنهم هم الأولى بالرعاية، والأولى باستثمار طاقاتهم في الدفع بعجلة التنمية، فلا مؤسسات صناعية استوعبتهم، ولا نصيب لهم في مشروعات الأراضي المستصلحة، التي تفوق قدراتهم الشرائية المنعدمة، ولا نصيب لهم من وحدات الإسكان، التي وصل الحد الأدني من مقدمات أسعارها إلى مايزيد عن الـ 50 ألف جنيه، وهم لا يملكون 50 ألف قرشا، ومنهم الكثيرين بلا دخل مطلقا.

.... النصيحة الثانية: أن تقوم الدولة بتمليك أبناء الفلاحين، من هذه الطبقات الفقيرة قطع أراض مستصلحة، على غرار مشروع الإصلاح الزراعي الذي طبقه الزعيم الراحل جمال عبد الناصر في خمسينيات القرن الماضي، مع إمكان أن يكون ذلك بالتقسيط وبدون مقدم ويكون أول قسط بعد أول دورة زراعية، وكذلك منح العاملين من هذه الطبقة وحدات سكنية شعبية بالإيجار لمدة 25 سنة وبعدها يتم تمليكهم إياها على غرار "المساكن الشعبية التي تمت في الستينيات " وما أدراك ما الستينيات" وهذه المشاريع تمت في وقت كانت مصر تخوض فيه معارك ضارية مع قوى الاستعمار البريطاني والفرنسي والإسرائيلي في 1956 وحرب اليمن وحرب 1967.

ياسيادة الرئيس.. كفانا تدليلا لرجال المال والأعمال، لم نجني من وراءه إلا ارتفاعا في معدلات الفقر، وتفاوتا طبقيا، وخللا في منظومة العدالة الاجتماعية فالمرحلة الحالية تحتاج كثيرا إلى إعادة النظر في دور أكبر للفقراء في عمليات التنمية ولن يتأتى هذا إلا بوجود محفزات حقيقية وواقعية تستعيد لديهم روح المواطنة وتفتح شهيتهم نحو المشاركة الفعالة في بناء الوطن وتعيد إليهم الآمال في كونهم جزء أصيل من هذا المجتمع وشركاء في حاضره ومستقبله.

حفظ الله مصر وأبنائها ووفق خطى ولاة أمورها لما فيه أمنها وعزها ورخائها.

درجات الحرارة
  • 10 - 20 °C

  • سرعه الرياح :14.48
اسعار العملات
  • دولار أمريكى :
  • يورو :
  • ريال سعودي :

هل مصر قادرة على إستضافة بطولة كأس الأمم الإفريقية 2019؟

نعم
62.5%
لا
25%
لا أهتم
12.5%