رئيس مجلس الإدارة أحمد الشناوي

رئيس التحرير محمد يوسف


 


 
حين قرأت تغريدة أحد المحسوبين على علماء الدين والتي كتب فيها ما معناه أن إصابة نجم الكرة المصرية والعربية، محمد صلاح، ما هي إلا عقاب من عند الله، لأنه أفطر في يوم لعِبِ فريقه أثناء رمضان، ظننت أن هذه التغريدة مجرد دُعابة أو نوع من الاستهزاء بالإسلام من قبل أحد الكارهين له، لكني تفاجأت حين اتضح لي أن صاحب التغريدة يقصد ما كتبه وأنه شخصية دينية معروفة في بلد عربي شقيق. كعادتي لا يهمني شخصنة أية قضية، فالمسألة ليست هذا أو ذلك الشخص، المسألة أبعد من ذلك بكثير، فهي تتعلق بشكل مباشر بتوظيف الدين من أجل التسلط على عباد الله.  فتنصيب البعض ممن هو محسوب على علماء الدين نفسه متحدثاً عن الله، وسماحه لنفسه أن يُصدِر أحكاماً تتعلق بتديّن فلان أو علان من الناس أو الخوض في مسائل شخصية بين الإنسان وربه لا دخل لأحد فيها، أصبح ظاهرة نتج عنها خَلق طبقة في مجتمعاتنا تُعرف برجال الدين وتتعامل مع الدين كأداةٍ للتسلط على عباد الله. لكن دين الإسلام يختلف عن دين المسيحية في أنه لا يعرف في بنيته التنظيمية ما يُعرف برجال الدين، فكل مسلم مخاطب بكلام الله وكلٌ يتحمل مسؤولية نفسه إذ لا تزر وازرة وزر أخرى. هناك علماء وفقهاء في الإسلام مثلهم مثل أي متخصص في مجاله، فهناك الأكاديمي المتفوق الذي يحرص دائماً على تطوير فكره ومراجعة آرائه وتوسيع أفقه والتواصل مع علوم ومعارف عصره ودراسة آخر الأبحاث وأجدها، وهناك الأكاديمي الكسول الذي يكرر نفسه ويكرر إلى يومه هذا ما درسه أثناء الدراسة الجامعية حيث توقف عن تحصيل العلم بمجرد حصوله على هذه أو تلك الشهادة أو هذا أو ذلك اللقب.  
 
عندما جاء رجل إلى الرسول عليه الصلاة والسلام يسأله عن البر والإثم، قال له عليه السلام: "استفت قلبك، والبر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في القلب، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك". هذا هو دين الإسلام، دينٌ يُكرِّس مسؤولية كل إنسان عن قراره الديني، لا لأحد أن يتدخل في علاقة الإنسان بربه. نعم، النصيحة مطلوبة، لكن النصيحة لها ضوابطها والتي من أهمها أن تكون بين الناصح والمنصوح فقط، لا أن تكون علناً، وألاّ تكون بلغةٍ أستاذية، بل يجب أن تُغَلّف بغلاف الحب والرحمة وأن يكون لسان حالها كله تواضع، فلا يظن الناصح نفسه أنه أفضل ممن ينصح، بل هو مجرد فهمه وتقييمه للأمور، فقد يُصيب و يُخطئ، لقد أمر القرآن رسولنا الكريم أن يُجادل أعداءه بمنطق: "وإنا أو إياكم لعلى هدىً أو في ضلال مبين"، فما بالنا إذا كان المخاطب بالنصيحة ليس عدواً، بل صديقاً أو قريباً؟ الرسول عليه الصلاة والسلام لم يكن مكلفاً بأكثر من الدعوة، حتى وإن رفضها المخاطبون: "فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين"، لم يكن مسموحاً له عليه السلام إصدار الأحكام ولا التسلط على أحد: "لست عليهم بِمُصَيطِر"، فالله هو الحاكم بين الناس وهو أعلم بالنوايا وخبايا النفوس.
 
استغلال الدين لتحقيق مصالح شخصية وحزبية هي ظاهرة ترافق جميع الأديان عبر العصور. لذا ليس من المستغرب أن يوجد أشخاص بيننا يريدون التسلق على ظهر الإسلام للوصول إلى مزيد من السلطة الاجتماعية، أو حتى السياسية والاقتصادية. سوف يتشدقون ببعض العبارات الدينية ويحرص بعضهم على إبراز آثار السجود على جبهته ليقنعنا أنه من أولياء الله المكثرين من الصلاة، سوف يحرصون على أسلوب سلطوي في خطابهم وسوف يُحاوِلون إفهامنا أنهم هم وحدهم من فهم الإسلام على وجهه الصحيح، فقد احتكروه لأنفسهم، كما أنهم احتكروا قضايا الأمة الكبيرة، كقضية فلسطين والقدس، وذلك كله مجرد لعبٍ على عواطفنا وتغطيةٍ على النوايا السلطوية. مثل هذه الظواهر توجد في كل المجتمعات، قد تختلف العناوين، لكن يبقى الجَرْيُ وراء السلطة هو الهدف لهؤلاء جميعهم.
لكن لنكن صريحين مع أنفسنا، المشكلة ليست فقط في هؤلاء المخادعين، المشكلة الحقيقية تبدأ حين يجد هؤلاء من يصفق لهم ويُسلمهم أمر دينه. المشكلة تبدأ فينا نحن حين نسلم رقابنا لمن يتحدث باسم الدين، فنجعل منه رجل دين كأنه يتحدث نيابة عن الله. لقد حذّر القرآن من هذه الظاهرة بشكل صريح وواضح وجعل تسليم أمر الدين لرجال الدين نوعاً من عبادتهم من دون الله، وهذا من مظاهر الشرك بالله: "اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله".
لن يحمينا من هذا النوع من الشرك بالله سوى الفكر النقدي الذي يستمع لهذا وذلك الرأي، ثم يُقيّم الأمور باستخدام العقل المنطقي السليم الذي وهبنا الله وأمرنا في مئات من المواضع في القرآن الكريم استخدامه، لذلك أكّد القرآن أنه لن يهتدي إلا أولئك الذين يعقلون ويتفكرون ويتساءلون باستمرار. سلبيتنا وتسليمنا أمور ديننا لرجال الدين مع تنازلنا عن عقولنا النقدية المفكرة هو من صنع السلطة الدينية، إذن لا نلوم المتلاعبين بالدِّين بقدر ما نلوم سلبيتنا وتنازلنا عن عقولنا، فغدت العواطف هي التي تحركنا، فمن صرخ بصوت عالٍ منادياً "وا قدساه"، "وا إسلاماه"، استطاع حشد الجمهور وراءه، لكن حقيقة أمره لا يهمها لا قدس ولا إسلام بل سلطة وتسلط باسم الدين وباسم قضايا الأمة. وهذه هي لعبة الإسلام السياسي، أو بالأحرى لعبة الانتهازيين المتسلقين على ظهر الإسلام. هؤلاء أساؤوا ويُسيؤون للإسلام لأنهم اختزلوه إلى يافطات سياسية، ووظفوه لأغراض سلطوية، وذلك على حساب الحديث عن روحانيات الإسلام والتي من أجلها بعث الله الرسل، فتزكية النفوس وتقوية علاقتها بالله كعلاقة محبة هو جوهر الإسلام المنسي من قبل هؤلاء.
 
إننا نحن، أنا وأنت، وهو وهي، من يستطيع تخليص الإسلام من هؤلاء المتسلقين على ظهره، وذلك إذا أعدنا لعقولنا احترامها ورفضنا أن نكون كأحجار الشطرنج يذهب بِنَا من يشاء يمنة ويسرة. لن يحررنا أحد من المتلاعبين باسم الدين إذا لم نقف نحن ونحرر أنفسنا منهم ونقول لهم بصوت مرتفع "لا".
 
لا أريد أن يُسيء أحد فهمي أنني أنتقص من حقوق علمائنا الأفاضل، فالذين أنتقدهم ليسوا علماء الدين، بل صنفين من الناس: المتسلقين على ظهر الدين للوصول إلى السلطة والمصفقين لهؤلاء، المستسلمين لهم، لأنهم تخلوا عن عقولهم فأصبحت العواطف هي التي تحركهم، وما أسهل من التلاعب بعواطف من استغنى عن عقله.
 
لا بد أن نزرع في أنفسنا وفي أبنائنا وبناتنا هذه الروح النقدية التي دعى لها القرآن الكريم، فلا نسلم رقابنا لمن سوّق نفسه أنه رجل دين أو حزب ديني، فالعبرة ليست بالعناوين الرنانة ولا باليافطات المدغدغة للعواطف، بل العبرة في عمق الفكرة وفي إنسانيتها وقبل كل شيء في منطقيتها واتفاقها مع العقل النقدي المتفكر الذي دعى له القرآن الكريم. إنه العقل المتمرد على الجهل، المتمرد على التقليد، المتمرد على اجترار المعهود، المتمرد على المتلاعبين بعواطف الناس، المتمرد على المتلاعبين بالدين، المتمرد على المُدّعين احتكار الحقيقة، المتمرد على قيود الفكر الراسخة في أعماق ذاته، المتمرد على تسليم نفسه لأي أحد سوى لله خالقه. بهذا العقل سيكون الإيمان بالله طريقاً للتحرر الحقيقي من كل ما يمكن أن يقف في طريق نور البصيرة، وبدون هذا العقل سيصير الدين عصاة تحريك لقطيع لا إرادة له ولا رؤية.

درجات الحرارة
  • 19 - 31 °C

  • سرعه الرياح :12.87
اسعار العملات
  • دولار أمريكى :
  • يورو :
  • ريال سعودي :

هل تتوقع إنفراجة في أزمة سد النهضة بعد زيارة الرئيس السيسي للسودان؟

نعم
30.645161290323%
لا
69.354838709677%