رئيس مجلس الإدارة أحمد الشناوي

رئيس التحرير محمد يوسف

مرت مصر بسبع سنوات كانت هي الأخطر والأدق في تاريخها المعاصر بما شهدته من أحداث وتقلبات ومواجهات لم يشهدها تاريخها من قبل، وكانت هذه الأحداث خارج كل توقعات أو حسابات، بدأت في يوم 25 يناير 2011 م حيث تصاعدت هبة شعبية ضد ممارسات سياسية نتجت عن تصاعد تيار الرأسمالية المتوحشة وسيطرتها على القرار السياسي والتشريعي الذي كان يصدر غالبا في صالح تلك الطبقة الطفيلية، التي كانت تحيط بالحاكم الفعلي "مبارك الإبن" بعد تحول "الأب" إلى مجرد صورة تراثية لملك لا يحكم.

وخلال عدة سنوات سبقت 25 يناير 2011م كان هناك العديد من القوى التي تتحرك في الشارع وترتب أوراقها لما هو آت، واختلفت في درجات تقديرها، واسنشرافها للمستقبل، الذي أظهر فيما بعد أن غالبية تلك القوى لم تكن تتخيل ماحدث من سيناريوهات، والدليل على هذا أن وتيرة الأحداث كانت تسير على نهج السفينة التي فقدت أشرعتها وصارت وجهتها مرهونة بمدى سرعة وقوة واتجاه الأمواج والرياح، وتجلى ذلك في تصاعد العديد من التيارات والتحالفات إلى مراكز صنع القرار فرأينا رئيسا للوزراء مثل عصام شرف ذو التوجه المستتر تحت غطاء ليبرالي، ورأينا وزراء ومحافظين من التيار الناصري مثل الدكتور حسام عيسى وكمال أبو عيطة والدكتور عزازي علي عزازي، كما رأينا على الساحة السياسية والشعبية حازم أبو اسماعيل "حركة حازمون" السلفي المتشدد ووجوه مشابهة تلمع في سماء الفضائيات مثل الشيخ محمد حسان، كما رأينا العديد والعديد من التناقضات السياسية والدينية والاجتماعية والإعلامية تتناوب الإمساك بدفة الأمور وتوجه مليونية هنا ومليونية هناك، وفي خلال تلك التناقضات والتناوبات كانت الأحداث في الشارع تشهد العديد من الحادثات التي كانت الواحدة منها كفيلة بقلب نظام دولة كاملة الأركان رأسا على عقب، فشاهدنا إحراق مايقرب من 80 كنيسة ودارا تابعا لها في يوم واحد، ورأينا حوادث اختطاف، وقتل مجندين وضباط بدم بارد، ورأينا ذبح شيوخ، وعواقل قبائل عريقة، ومقتل صحفيين، وحرق مؤسسات ومنشئات حكومية وأمنية.

كل هذا وسفينة الوطن تتلقفها الأمواج، والرياح حتى استقرت قيادتها للفصيل الأكثر تنظيما والأكثر استثمارا لما يجري على الأرض، والأكثر امتلاكا للإمكانات المادية التي كانت تنهمر عليه من كل صوب وحدب من أجل تمكينهم واستقرار السلطة تحت سطوتهم.

لكن هذا الشعب الذي هب ضد ضد الاستبداد السياسي والفساد الاقتصادي والاجتماعي كان مايزال يتمتع بقدرته على استقراء النتائج، التي رأى أنها لم تحقق الحد الأدنى مما كان يحلم به، واستشعر أن تضحياته قد تمت سرقتها من مجموعة لا تمثله بشكل حقيقي، فبدأ هذا الشعب موجة جديدة من المد الثوري، ضد هذا الفصيل الفاشيستي المستبد، وتواصلت تضحيات الشعب بالجهد والدم والحراك السلمي الذي واجهته تلك الجماعة الإرهابية بالرصاص والسحل والقهر، حتى حانت لحظة النزال ليخرج الشعب عن بكرة أبيه في مواجهات ملاينية بجميع محافظات الجمهورية، ولم يجد الشعب وقتها عصا يتكئ عليها بعد الله سبحانه وتعالى سوى الفريق عبد الفتاح السيسي القائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع والإنتاج الحربي ضد جماعة فقدت صوابها وباتت تنكل به وتتوعده بالمزيد، واستجاب الرجل، وبدأ يستقو بهذا الشعب ضد الجماعة الإرهابية الحاكمة، ودخل من حينها طريق المواجهة المعلنة التي تجلت في بيان القوات المسلحة الذي أعلن فيه انحيازه للشعب، ثم الإنذار الموجه لجميع القوى السياسية والوطنية بضرورة الالتزام بتحقيق المصلحة العليا للوطن، ثم مهلة الأسبوع، ولما لم تستجب الجماعة كانت المهلة الثانية لمدة 48 ساعة، لتعلن بعدها القوات المسلحة عزل الرئيس بناء على رغبة الملايين، وبدء مرحلة انتقالية يتولى فيها الحكم رئيس المحكمة الدستورية العليا بناء على نصوص الدستور، إلى حين إجراء انتخابات رئاسية جديدة، واستجاب الرئيس السابق عدلي منصور لنداء المسئولية الوطنية، وقاد البلاد في فترة عصيبة، وفي هذه الأثناء تعالت مطالبات الشعب للمشير عبد الفتاح السيسي بالتقدم لقيادة البلاد، لكن الرجل رفض في البداية، ومع تصاعد مطالب الشعب، والنخب السياسية استجاب وأعلن نيته الترشح، ولم يتقدم لمنافسته سوي المرشح السابق حمدين صباحي، الذي كان أحد رموز وقادة المرحلة التي تلت 25 يناير، وتقدم معتمدا على ماحققه في الانتخابات الرئاسية لعام 2012 بتبوءه المركزالثالث بعد "شفيق ومرسي" برغم ماحدث ضده من عمليات تلاعب في الأصوات، والتي لو لم تحدث لكان أحد المتنافسين الأول أو الثاني.

ولكن في انتخابات 2014 كانت الحسابات قد تغيرت والرؤي قد تكشفت أمام الشعب فتحول حمدين صباحي من أحد أفضل المرشحين في 2014 إلى حال آخر في مواجهة المرشح عبد الفتاح السيسي، الذي كان قد حاز على عقول وقلوب وتطلعات المصريين كمنقذا ومخلصا لهم من براثن جماعة كادت أن تقضي على مستقبل هذا الوطن صاحب الحضارة الضاربة في جذور التاريخ، وجائت النتائج بما حملته المقدمات، وحصل المشير السيسي على مايقارب الـ 100% من أصوات الناخبين في مواجهة حمدين والأصوات الباطلة.

بدأ الرئيس عبد الفتاح السيسي فترة رئاسته الأولى 2014 / 2018 بقيادة دولة كانت على شفا الانهيار (شبه دولة) تعاني داخليا من تهلهل مؤسساتها ويسيطر عليها حالة من الانفلات الأمني والفساد الإداري والرشوة والجشع والظلم الاقتصادي والاجتماعي، كما تعاني خارجيا من مؤامرات ومشاريع استعمارية، مثل مشروع الشرق الأوسط الجديد ومشروع صفقة القرن.

وكانت بذرة مشروع الشرق الأوسط الجديد قد غرست في ثمانينيات القرن الماضي وتلخصت في ضرورة أعادة النظر في تقسيم منطقة المشرق العربي وفق اتفاقية "سايكس بيكو" عام 1917 والتي اكتشف الغرب الاستعماري أنها لم تفي بمطامعه ولم تلبي طموحاته ويجب أن يعاد تقسيم المنطقة من جديد إلى دويلات أو "إيالات" طائفية تتحكم في مقدراتها جماعات إرهابية، تم إعدادها ودعمها عسكريا ولوجيستيا وإعلاميا، وصياغة مفاهيمها الدينية بما يجعلها تتبنى مناهج التعصب المذهبي وعدم تقبل الآخر، ثم تقوم قوى التجبر الدولي بفرض واقع تدشينها عن طريق إشاعة الفوضى في الدول العربية والإسلامية الكبرى مثل السعودية ومصر والسودان وليبيا والعراق وسوريا والجزائر، وغيرها وينتج عن هذه الفوضى مناطق للنفوذ الطائفي، تتحول مع الوقت إلى دويلات، يتم الاعتراف بها دوليا مثل "دويلة للشيعة ودويلة للسنة و ودويلة للأكراد ودويلة للتركمان والآشوريين ودويلة علوية في العراق وسوريا، ثم دويلة إسلامية وأخرى مسيحية وثالثة تحت النفوذ الصهيوني ورابعة نوبية في مصر، ويتكرر السيناريو لأمازيغ ليبيا والمغرب العربي والأفارقة وأبناء دارفور وكردفان والبوليساريو بشمال ووسط وغرب وشرق أفريقيا.

أما مشروع صفقة القرن فقد ظهر للنور مابعد أحداث 25 يناير ثم 30 يونيو وقت تولي جماعة الإخوان الإرهابية للسلطة في مصر ومشاركتها للحكم في تونس، وتتلخص رؤية المشروع في أنه يعد لأن يكون حصادا لمشروع الشرق الأوسط الكبير، ووفق الرؤية الغربية يتم من خلاله استقطاع وتفريغ جزء من أراضي سيناء يتم فيه توطين أبناء قطاع غزة الفلسطيني، ثم إقامة مستوطنات صهيونية بغزة تحول الدولة الصهيونية إلى دولة لليهود فقط تمهيدا لإقامة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.

تلك الصفقة التي تمت صياغة أدبياتها داخل الكواليس الغربية والصهيونية، وبدأت بالفعل أولى خطواتها في عهد المعزول مرسي، إلا أنها تم إجهاضها بثورة المصريين في 30 / 6 وإقصاء الإخوان، ولذلك تقوم الجماعة الإرهابية ومن يدورون في فلكها بترويج شائعات تتعلق بأن صفقة القرن يتم الآن وضع ترتيباتها، وأن الرئيس السيسي يشارك في تلك االترتيبات بالرغم من أن تصريحات وأفعال الرئيس على أرض الواقع تقول عكس هذا، وعلى سبيل المثال نجد أن قوات مصر العسكرية والشرطية قد دخلت في مواجهات مع جماعات الإرهاب التي استوطنت شمال سيناء عبر عشرات السنين وتم خلال هذه المواجهات تغيير خريطة انتشار القوات المسلحة بسيناء التي صاغتها معاهدة كامب ديفيد لصالح مصر وتم الالتفاف حول بنود تلك المعاهدة تحت غطاء مكافحة الإرهاب، ومعروف أن الفكاك من معاهدة كامب ديفيد كان مطلبا وطنيا تتبناه كل القوي المصرية وهاهو يتحقق لهم، كما أن تغيير هذه الخريطة العسكرية يؤكد أن النظام المصري يسعى جاهدا لإفشال مايسمى بصفقة القرن وبالتالي فهو برئ من المشاركة فيها أو الموافقة عليها.

كذلك في الملف السوري نجد أن القيادة السياسية تختلف فيه تماما مع دول الخليج برغم العلاقات الجيدة معهم، وتقف الآن في صف الدولة الرسمية في سوريا، كذلك في الملف اليمني اختلفت مصر مع دول التحالف العربي ولم ترضخ لضغوط إرسال قواتها لليمن، وفي الملف الليبي كذلك وقفت مصر وحدها في وجه الدول الأوربية وأمريكا لتدافع عن وحدة الأراضي الليبية بل وتعدت ذلك إلى دعم الجيش الوطني الليبي وضرب قواعد الإرهابيين داخل الأراضي الليبية.

هذه المواقف المصرية تؤكد أن مصر الرسمية لم تتخلى عن ثوابتها الوطنية أو القومية ولم تقدم تنازلا واحدا يصب في صالح العدو الصهيوني وبالتالي نجد أن استيعاب هذه المتغيرات التي تتم على الأرض يعتبر من أهم الثوابت الوطنية، والقومية التي يجب أن تجتمع عليها المعارضة والنظام من أجل تقوية مصر "حكومة ومعارضة" في مواجهة مايتهدد الوطن من مخاطر، أما تفاصيل مايحدث على المستوى الاقتصادي فهو مايمكن أن تختلف عليه جميع الأطراف كل حسب منهجة ومدرسته ولنترك الوقت يحكم على مدى نجاح أو فشل النظام فيه.

حفظ الله الوطن شعبا وجيشا وأرضا وجمع كلمة أبناءه المخلصين على قلب رجل واحد.

درجات الحرارة
  • 22 - 37 °C

  • سرعه الرياح :22.53
اسعار العملات
  • دولار أمريكى :
  • يورو :
  • ريال سعودي :

توقع...من الفائز بكأس العالم 2018؟

توقع...من الفائز بكأس العالم 2018؟
85.714285714286%
14.285714285714%