رئيس مجلس الإدارة أحمد الشناوي

رئيس التحرير محمد يوسف

حينما ذهبت إلى مستشفى "أبو الريش الجامعي للأطفال" للاطمئنان على حالة نجل شقيقي الذي لم يتجاوز الأسبوع الأول في حياته، وعند وصولي إلى قسم الحضَّانات، وجدت الطفل مستلقى على يدي جدته، وعلامات المرض تسيطر على وجهه، ففمه يميل إلى اللون الأزرق الغامق، فتوجهت إلى غرفة الأطباء المنوط بهم رعاية الأطفال في هذا القسم الهام للغاية والذي يقضي فيه الطفل أوقات تحت الملاحظة الدقيقة حتى تستقر حالته الصحية.

 

وتحدثت مع أحد الأطباء لمعرفة أسباب عدم دخول الطفل الرضيع الحضَّانة رغم حالته الصحية السيئة الظاهرة على وجهه، بسبب "نزيف دم من فمه"، فقال لي الطبيب: "مش هندخله الحضانة قبل ما ييجي حد يتبرع بالدم علشان نقبل الحالة".

 

ووجهت للطبيب سؤالاً، ويسيطر على وجهي علامات الاستغراب الشديد من حديثه، وقلت له: "لاقدر الله.. إذا حدث مكروه للطفل أودى بحياته بسبب عدم وجود متبرع.. على من ستقع المسئولية؟!".

 

فكان رده: "هي دي الإجراءات، واتفضل هات متبرع علشان نقبل الحالة".

 

ذهبت للتبرع بالدم حتى أنهي تلك المهزلة، إذ تفاجأت برفض التبرع وذلك بسبب إصابتي بنزلة برد، وأصبح على عاتقي توفير متبرع آخر، وعندما حاول من معي التبرع اكتشفوا أن ضغط دمه لا يسمح له بالتبرع.

 

اتصلت بالأقارب والأصدقاء وزملائي في العمل، ليأتي أحدهم للتبرع بالدم حتى يتخلص الطفل من آلامه بحصوله على الرعاية الطبية ودخوله الحضَّانة.

 

وأثناء انتظاري وصول أحدهم، لفت انتباهي منظر مأساوي لأم تبكي أمام بوابات المستشفى مستنجدة بالمارة لقبول أحدهم التبرع لطفلها المريض بـ"كيس دم"، ولم يلتفت لها أحد بعد.

 

فتوجهت إلي قسم التبرع بالدم مرة أخرى وسألت إحدى الممرضات، هل هناك طريقة أخرى لقبول الأطفال بالحضَّانات بدلاً من توفير متبرع؟!، فقولت لها: "لماذا لم تسمحوا لنا بدفع مقابل مادي بدلا من البحث عن متبرع يصلح لإنجاز المهمة، أو شراء أكياس الدم من الخارج؟!"، فردت قائلة: "دي الطريقة الوحيدة يا أستاذ علشان نقبل الحالة، وماينفعش تشتري الدم من بره أو تدفع مقابل مادي".

 

وخرجت مكتوفي الأيدي لانتظار من يأتي للتبرع بالدم لنجل أخي، ونظرت إلي الأم التي كانت تبكي على حالة طفلها الذي لم يجد الرحمة داخل مستشفى الأطفال الأول في مصر، فإذا بشاب في العقد الثاني من عمره يمر بجوار المستشفي، ووجد الأم التي تبكي على حالة طفلها التي تسوء مع مرور الوقت، فتحركت مشاعره الإنسانية التي أبت أن تشاهد تلك المشهد المأساوي دون المساعدة، وذهب معها وتبرع لطفلها حتى يتمكن من تلقي الرعاية الصحية داخل الحضَّانة.

 

وإذ بهبة من الله، جاء أحد أفراد أمن المستشفى وعرض علينا التبرع لنجل أخي، وتلقيت عرضه بالترحاب، وعند عودتنا إلى غرفة التبرع، قالت الممرضة لفرد الأمن: "أنت استأذنت من مديرك الأول، علشان في حد من الأمن قبل كدا تبرع بالدم واتعاقب على كدا"، فكان رد الشاب العشريني: "خليها على الله".

 

وأنهينا إجراءات التبرع والتي استغرقت وقتا طويلا، لدخول الطفل إلي الحضَّانة، ليتلقي بعدها ذو الستة أيام من العمر الرعاية الطبية اللازمة، بعد مرور ما يقرب من 5 ساعات داخل جدران المستشفى وخارجها!!!.

 

السؤال هنا لكل مسئول في مستشفيات وزارة الصحة، والمستشفيات الجامعية، وتحديدا مستشفى الأطفال الأول في مصر "أبو الريش الجامعي للأطفال"، والتي تجمع تبرعات من الشعب المصري بالملايين كل عام، فضلًا عن المنح الخارجية المقدرة بملايين الجنيهات.. من السبب في هذه المهزلة التي يعيشها الأطفال وأهاليهم حتى يحصلوا على أبسط الحقوق التي يكفلها الدستور والقانون وهي الرعاية الصحية؟!.

 

أليس من العار أن تكون حياة طفلًا مرهونة بتوفير متبرع يصلح بتقديم مقدار "كيس" من دمه، لتقبل المستشفي دخوله حضَّانة لإنقاذ حياته؟!.

 

أليس من المؤسف أن تستغرق الإجراءات اللازمة لقبول حالات الأطفال السيئة للغاية، إلي ما يقرب الـ5 ساعات، رغم توفير أماكن فارغة داخل حضَّانات المستشفى تنتظر قدوم الأطفال لإنقاذ حياتهم؟!.

 

أيها المسئولون عن هذه المهزلة، انظروا إلي قول الله تعالى: "وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ".

درجات الحرارة
  • 22 - 36 °C

  • سرعه الرياح :22.53
اسعار العملات
  • دولار أمريكى :
  • يورو :
  • ريال سعودي :

هل تتوقع إنفراجة في أزمة سد النهضة بعد زيارة الرئيس السيسي للسودان؟

نعم
35%
لا
65%