رئيس مجلس الإدارة أحمد الشناوي

رئيس التحرير محمد يوسف

 

ليس في القتل غالب ومغلوب، حتي من قتل لايهنأ، مثلما لايهنأ المقتول، هذا ماتحدده القاعدة الطبيعية للحياة، فالاثنان لايهنئان ومن أجل ذلك كانت القاعدة الشعبية "يابخت من نام مغلوب ومانامش غالب" لكن الخريطة هنا تغيرت فالأسلحة التى أغرقت منازل الصعيد الطيب جعلت الأمر برمته يحتاج صياغة، فالجميع يريد أن يعيش غالباً لامغلوباً

يظل سلسال الدم كارثة تهدد أرواح الأبرياء من أبناء الصعيد، الذين لا ذنب لهم سوى أنهم أبناء لبيئة اجتماعية مغلقة لا تعرف سوى لغة الدم والثأر، تحكمها النزاعات والعصبيات القبلية، دساتيرها مجموعة من المواريث والعادات والتقاليد المغلقة القديمة المجحفة، سقط من حسابها التسامح والإيثار.

لأسباب تافهة، يسكن الشيطان جنباتها وينفخ فيها بروحه الشريرة الملعونة، لتحدث المشاجرات والاشتباكات المسلحة، وتتساقط الضحايا، وتنشر رائحة الدم فى جنبات البلاد الشقية البائس أهلها، التى يتساقط شبابها مثل الأشجار فى فصل الخريف.

تعددت الأسباب والموت واحد، والشباب يتساقط على عتبات الحقد والكره والقلوب السوداء بين أناس كرهوا أنفسهم وكويت قلوبهم بنار فقدان عزيز لديهم، ليتحول ذلك الشخص منذ ذلك إلى رسول لإبليس اللعين كى ينشر نار الثأر والقتل بين جنبات قريته، وكأنه أقسم بين طيات نفسه على أن ينشر رائحة الدم بين أقاربه.

«الشعراوى» يعفو عن قاتل أخيه ويعطى درسًا لوأد الفتنة كان يعلم أن «الشيطان يعظ» حينما راودته فكرة الثأر من قاتل أخيه، لكن تلك النفحة النورانية التى عرفت طريقها لقلبه وعقله، جعلته يتريث قليلًا ثم يقرر قراره الأخير لينحى الثأر من عقله ويحرق الشيطان كمدًا وغضبًا، بعدما استطاع أن يطفئ نيران الثأر داخل قريته، ضاربًا مثالًا صريحًا بالرشاد والحلم وإحكام العقل.

«الشيخ الشعراوى» قطع الشك باليقين، ونزع فتيل الفتنة من قريته، وانتصر لدينه منحّيًا أهواءه ومشاعره تخرج فى هذه الأوقات، فقد كان الشعراوى ينبذ العادات الثأرية التى تتكرر كثيرًا بين الحين والآخر، ولهذا فبعد قتل أخيه «إبراهيم» بالخطأ على خلفية نزاعات ثأرية بين عائلتين بدقادوس، ورغم تأثير الواقعة عليه وعلى أمه المكلومة، وأبيه محروق القلب، إلا أنه كان قد قرر أن يعطى درسًا لأهل القرية فى سماحة الإسلام، فعقد مجلسا بين عائلته وبين عائلة القاتل لتصفية الخلاف، عن طريق دفع الدية، وجلس الشعراوى، رحمه الله، وجهًا لوجه أمام القاتل وأمام أبيه، وطلب شيخ القرية من الشعراوى وأبيه تحديد الدية المطلوبة عن قتل أخيه، وحينما انطلقت من القاتل وأهله محاولات لتخفيف الدية عنهم مذكرًا الشعراوى بحديثه الإيمانى نظر لهم وقال جملته: «تذكرنى بما قلت وكأنى بك تظننى أقول للناس وأمنع عن نفسى منونة الالتزام بما أقول لا والله أما يا هذا فإنا نعفو عن دم أخى ولا نريد منك دية ولا قصاصًا غفر الله لنا ولكم». وكيف لا؟ وقد منّ الله عليه بالفطنة والعلم والإيمان فتمازج هذا الثالوث داخل عقله، ليقرر الشيخ الشعراوى أن يكون مبصرًا رافضًا للنوازع الثأرية التى تجتاح الأرياف والصعيد.

التار ولا العار اتركوها فإنها فتنة، مقولة تشجع على الثأر، الذى يشبه الشبح، يطل بين الحين والآخر على أهالى ريده الطيبين، ويداه ملوثة بالدماء، يعكر صفو الحياة، يهدم كل بناء، يعيق التنمية بشتى انواعها، يملأ سكون الليل نواح، وعويل، وحزن، وعذاب، الثأر معناه قتل النفس، إنه السرطان المزمن الذى يستشرى بين العائلات، خاصة فى الصعيد، فبرغم تغير الزمان والمكان وتتابع الأجيال وبرغم التطور الحضارى تبقى مقولة التار ولا العار هى المسموعة فى الصعيد.

ولكن أهالى قرية ريده خرجوا على هذه المقولة مرددين قول الله (فمن عفا وأصلح فأجره على الله) تلك الآية الكريمة كانت دافعاً لعقد جلسة صلح عُرفية، أقامتها لجنة المصالحات بالتعاون مع الأجهزة الأمنية، خصومة ثأرية بين عائلتي "الصوالحة" و"الطوايعة"، داخل قرية ريدة في مركز المنيا.

وعُقدت جلسة الصلح، داخل سرادق، وقدّم أحد أفراد عائلة "الصوالحة" الكفن إلى الشيخ محمد نادي، إمام مسجد، ونجل المجني عليه من عائلة "طايع"، ووقّع الجانبين على شرط جزائي بعدم تجدد الأحداث.

وترجع الخصومة إلى عام 1997، وقال نجل المجني عليه "الشيخ محمد نادي محمد علي طايع"، إمام وخطيب مسجد قرية ريدة من عائلة "الطوايع" إنّه رفض الثأر لوالده الذي قٌتل منذ 20 عامًا، وقبل الكفن، والتوقيع على محضر صلح وتراضي؛ لحث الأهالي على الحد من حوادث القتل والثأر التي شهدتها القرية مؤخرًا، رغم أن القرية كانت من القرى الهادئة والمُسالمة التي يعيش أهلها في رباط.

ولا يسعنى إلا ان اتوجه بالشكر لكل من ساهم فى وأد الفتنة من رجال القرية الشرفاء، وأخص بالشكر الشيخ محمد نادى الذى قهر ابليس بسماحة الاسلام وعفوه عن قاتل والده.

 

درجات الحرارة
  • 23 - 37 °C

  • سرعه الرياح :28.97
اسعار العملات
  • دولار أمريكى :
  • يورو :
  • ريال سعودي :

هل تتوقع ارتفاع أسعار المحروقات في الأيام المقبلة؟

نعم
77.142857142857%
لا
22.857142857143%